أحمد بن يحيى العمري

86

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

على هذا زمان ، وتاج الملك في أثناء هذا يمنّيه بمواعيد جميلة . ثم عنّ للشيخ التوجه إلى أصفهان « 1 » ، فخرج متنكرا ، وأنا وأخوه غلامان له في زي الصوفية ، إلى أن وصلنا طبران « 2 » ، على باب أصفهان ، بعد أن قاسينا شدائد في الطريق ، فاستقبلنا أصدقاء الشيخ ، وندماء الأمير علاء الدولة ، وخواصه ، وحمل إليه الثياب والمراكب الخاصة ، وأنزل في محلة يقال لها كون كبير . في دار عبد الله بن بابي ، وفيها من الآلات والفرش ما يحتاج إليه ، وحضر مجلس علاء الدولة فصادف من منزلة الإكرام والإعزاز اللذين يستحقه مثله « 3 » . ثم رسم الأمير علاء الدولة ليأتي الجماعات مجلس النظر بين يديه ، بحضرة سائر العلماء على اختلاف طبقاتهم ، والشيخ في جملتهم ، فما كان يطاق في شيء من العلوم . واشتغل بأصفهان بتتميم كتاب : " الشفاء " ، ففرغ من المنطق ، والمجسطي ، وكان قد اختصر أوقليدس ، والأرثماطيقي ، والموسيقى ، وأورد في كل كتاب من الرياضات زيادات رأى أن الحاجة إليها داعية . أما في " المجسطي " : فأورد عشرة أشكال في اختلاف القطر « 4 » ، وأورد في

--> ( 1 ) : أصبهان ، أو أصفهان : منهم من يفتح همزتها ، وهم الأكثر ، وكسرها آخرون ، منهم السمعاني ، وأبو عبيد البكري الأندلسي ، وهي مدينة عظيمة مشهورة ، من أعلام المدن وأعيانها ، وقد يطلق اسمها على الإقليم بأسره ، وأصبهان من نواحي الجبل ، فتحها عبد الله بن عبد الله بن عتبان ، صلحا ، في خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه ، سنة تسع عشرة من الهجرة المصطفوية على صاحبها ألف ألف سلام وأزكى تحية . انظر : معجم البلدان 1 / 292 - 298 . ( 2 ) : طبران : بالتحريك ، وآخره نون ، بلفظ تثنية طبر ، وهي فارسية ، والطبر : هو الذي يشقق به الأحطاب ، وما شاكله بلغة الفرس ، وهي مدينة في تخوم قومس . انظر : معجم البلدان لياقوت 4 / 13 . ( 3 ) : انظر : عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة 442 . ( 4 ) : في الأصل المخطوط : " المنظر " .